القرطبي
14
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الصخرة على ساحل البحر ، وضع فتاه ( 1 ) المكتل ، فأصاب الحوت جري البحر فتحرك الحوت في المكتل ، فقلب المكتل وانسرب الحوت ، ونسي الفتى أن يذكر قصة الحوت لموسى . وقيل : إنما كان الحوت دليلا على موضع الخضر لقوله في الحديث : ( أحمل معك حوتا في مكتل فحيث فقدت الحوت فهو ثم ) على هذا فيكون تزودا شيئا آخر غير الحوت ، وهذا ذكره شيخنا الإمام أبو العباس وأختاره . وقال ابن عطية : قال أبي رضي الله عنه ، سمعت أبا الفضل الجوهري يقول في وعظه : مشى موسى إلى المناجاة فبقي أربعين يوما لم يحتج إلى طعام ، ولما مشى إلى بشر لحقه الجوع في بعض يوم . وقوله : ( نصبا ) أي تعبا ، والنصب التعب والمشقة . وقيل : عنى به هنا الجوع ، وفي هذا دليل على جواز الاخبار بما يجده الانسان من الألم والأمراض ، وأن ذلك لا يقدح في الرضا ، ولا في التسليم للقضاء لكن إذا لم يصدر ذلك عن ضجر ولا سخط . وفى قوله : ( وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ) أن مع الفعل بتأويل المصدر ، وهو منصوب بدل اشتمال من الضمير في " أنسانيه " وهو بدل الظاهر من المضمر ، أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان ، وفي مصحف عبد الله " وما أنسانيه أن أذكره إلا الشيطان " . وهذا إنما ذكره يوشع في معرض الاعتذار لقول موسى : لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت ، فقال : ما كلفت كبيرا ، فاعتذر بذلك القول . قوله تعالى : ( واتخذ سبيله في البحر عجبا ) يحتمل أن يكون من قول يوشع لموسى ، أي اتخذ الحوت سبيله عجبا للناس . ويحتمل أن يكون قوله : " واتخذ سبيله في البحر " تمام الخبر ، ثم استأنف التعجيب فقال من نفسه : " عجبا " لهذا الامر . وموضع العجب أن يكون حوت قد مات فأكل شقه الأيسر ثم حي بعد ذلك . قال أبو شجاع في كتاب " الطبري " : رأيته - أتيت به - فإذا هو شق حوت وعين واحدة ، وشق آخر ليس فيه شئ . قال ابن عطية : وأنا رأيته والشق الذي ليس فيه شئ عليه قشرة رقيقة ليست ( 2 ) تحتها شوكه . ويحتمل أن يكون قوله : " واتخذ سبيله " إخبارا من الله تعالى ، وذلك على وجهين : إما أن يخبر عن موسى أنه اتخذ سبيل الحوت من البحر عجبا ، أي تعجب منه . وإما أن يخبر
--> ( 1 ) في ك : صاحبه . ( 2 ) سقط من ك وى : ليست .